الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 11

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

على رغبة مفاوض أهل مكة الّذي قال : لا أعرف الرحمن ، ولا أقرّ بأنك رسول الله « ولو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ( محمد بن عبد الله ) » فيقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لرسول الله ، وإن كذبتمونى ، وأنا محمد بن عبد الله ، ثم يقول للكاتب : اكتب محمد بن عبد الله . هذا على الرغم من اعتراض عليّ وأبى بكر وعمر ، وغضبهم إلى قريب من الثورة ، ولكنه أدب الاختلاف ، فقد عرف صلّى اللّه عليه وسلّم أنه - وهو في موقف التفاوض مع من يخالفه في عقيدته - إنه ليس من حقه أن يفرض صفته ، أو لغته الخاصة ، على مخالفه ، لذلك ارتضى لغة مشتركة يقرها خصمه ويوافق عليها ، وإن كان في قرارة نفسه لا يرضاها . وكم من مرة جاءته رجالات قريش يحاولون أن يثنوه عن دعوته بالتهديد تارة والترغيب أخرى ، وكان يعلم سلفا أن عروضهم مرفوضة ، ولكنه كان ينصت إلى ما يقولون ويستمع إليه ويناقشه ويرد عليه في موضوعيّة ورحابة صدر . وتحمل كتب السيرة الكثير من أخبار هذه المفاوضات ، من أشهرها ما دار بينه وبين عتبة بن ربيعة الّذي جاء إلى الرسول فقال : « يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم . . . فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها » . ويقول الرسول : « قل يا أبا الوليد ، أسمع . . . فلما فرغ عتبة قال رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) : أو قد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم . قال : فاسمع منى . قال : أفعل . . . إلى اخر الخبر . [ الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 293 ، 294 ] .